ماذا تعلمت؟!
كثيرًا مايراودني هذا السؤال في مواقف عديدة.. في توقفات عديدة.. في مراجعة للذات.. في مراجعة لحصيلتي التعليمية..
أتوقف.. وأتساءل .. ماذا تعلمت؟!
أدخل في موقف ما.. وأراه أصعب المواقف التي مرت بي في حياتي.. وما إن تهدأ نفسي.. حتى أسألها.. ماذا تعلمت؟!
في إحدى المرات.. وبعد أحد المواقف التي ما إن نمر بها حتى نظن أن الحياة ستتوقف بنا.. إلى هذا الحد.. لكنها وياللعجب لم تتوقف بل استمرت.. واستغربت كثيرًا.. لم تتوقف حياتي.. ظللت أعيش لحظة بلحظة.. يومًا بيوم.
وأعود لذات السؤال.. ماذا تعلمت؟!
ما من شخص منا في هذه الحياة.. لا يعاني الملل.. الوحدة.. الفراغ .. حتى الاكتئاب..
مع العلم.. أن الحياة بداخلنا.. وحولنا.. لو التفتنا لها جيدًا.. لو نظرنا فيها جيدًا.. لاكتشفنا أننا من المستحيل أن نعاني تلك الأمور وغيرها أيضًا.
مامن إنسان اليوم لا يعاني اضطرابات نفسية وفكرية بل وحتى جسدية.. الغالبية من تلك المعاناة تعود إلى الفراغ.. فالفراغ يجعلنا نستحضر الهموم والمعاناة.. لكن حتى المشغولون منا بالحياة يعانون أيضًا الكثير من الهموم والمعاناة. لماذا؟!
لأننا نادرًا جدًا ما نقف مع الذات ونسألها ماذا تعلمنا؟
هو سؤال.. يولد معنا.. ولا يتوقف إلا مع نهاية الحياة فينا.
الطفل يولد ويتعلم خطوة خطوة.. كيف يسير.. كيف يتكلم.. كيف يكتب.. كيف يعتمد على نفسه..
ونكبر وتكبر معنا الأشياء التي يجب أن نتعلمها.. والبعض منا يظن بكل أسف أن التعلم والتعليم هو وقف على الشهادة.. تجده يحرص على أن يتفوق علميًا.. دراسيًا.. ويتوقف تحصيله العلمي مع توقفه عن الدراسة وبالحصول على أعلى الشهادات..
ولكن.. وآه من لكن.
كم منا يعي أن العلم والتحصيل العلمي ليس وقفًا فقط على ما تم حصره لنا في الكتب .. نقرؤها ونتعلم منها.. بل إن ما نشاهده كل لحظة في حياتنا وفي كل ما يمر بنا من مواقف هو أكبر معلم لنا في الحياة.. وكل ما يطلبه منا هو أن ننظر فقط ببعض الواقعية والمنطق.. والتأمل.. لما مررنا به من ماض.. ولما نعيشه من حاضر.. نرسم به.. شكل وصورة المستقبل..
أخطاؤنا.. هل توقفنا مرة أمام أخطائنا..؟!
كثيرًا ما نصاب بالإحباط الشديد من جراء وقوعنا في الخطأ .. ولكننا ننسى أو نتناسى أننا لم نولد متعلمين مثقفين واعين.. وأن التعلم عبارة عن مجموعة من الأخطاء نقع فيها ونتعلم منها..
في الطفولة.. نقع في الخطأ .. لكن من الظلم أن نعاقب من أول مرة نقع فيها في الخطأ.
في المراهقة.. يفتح باب الخطأ على مصراعيه أمامنا وندخل فيه من أوسع أبوابه ونخطئ لنتعلم.
نكبر.. نخرج عن إطار الأسرة.. نعمل .. نتعرف على أناس جدد.. نحتك بالحياة بشكل أعمق وأكبر.. نخطئ أكثر في الزواج..
في هذه المرحلة الحساسه جدًا .. مرحلة مسؤولة.. وذلك لأن أخطائنا فيها.. لا نحملها بمفردنا بل يتحملها معنا.. شريكنا في الحياة..
نتزوج وننجب أطفالًا.. لا نعلم عن فنون تربيتهم إلا أقل القليل.. نتعلم معهم وفيهم.. ولكن.. بكل أسف يحملون معنا.. (طوال العمر)..
أخطاءنا في حقهم.. وفي حق أنفسنا كـآباء وأمهات.. تمامًا كما حملنا أخطاء من سبقونا.. بحق تربيتنا..
نكبر.. وتكبر معنا أخطاؤنا.. وتكثر تساؤلاتنا.. هل نحن نسير في الطريق الصحيح؟!
نقف حيث وصلنا.. ونتساءل.. ماذا تعلمنا؟!
نتلفت حولنا.. ننظر للخلف .. للماضي.. أول ما نبدأ به هو.. البحث عن الشماعة التي نلقي عليها كل أخطائنا..
وأول تلك الشماعات هي.. الأسرة.. المدرسة.. ونرمي التهم بوجه الاثنتين قائلين.. لم تعلمونا.. لم تعلمونا..
نتجاوز تلك المرحلة بعد عناء وجهد.. ونعود لنسأل نفس السؤال.. وماذا تعلمنا اليوم؟!
هل أخطأ من سبقونا في تعليمنا؟! هل أخطأت المناهج المدرسية في تعليمنا؟! ربما.. ولكن أيضًا ماذا تعلمنا من أخطائهم؟!
هل تعلمنا .. العفو .. التسامح؟!
هل تعلمنا أن نضع أنفسنا مكان من أخطأ بحقنا وأن نضع له كل المبررات.. و نتسامح؟!
هل جربنا التسامح يومًا ما؟!
ماذا لو تسامحنا مع الغير؟!
لماذا.. يتم تفسير هذا التسامح على أنه ضعف منا وأن القوة هي في الانتقام؟!
هل فكرت يومًا ما أن تنتقم من شخص أخطأ بحقك؟
إلى ماذا توصلت؟ هل ارتحت نفسيًا بالانتقام؟ هل أشبع غرورك ورضاك عن ذاتك؟ هل نمت قرير العين بعد ذلك؟ أم ظللت متعبًا مرهقًا غارقًا في التفكير كيف ترتاح إذًا؟
في كل حياتك التي تعيشها اليوم.. بماذا تحلم؟ بماذا تفكر؟ عن ماذا تبحث؟ وماذا تنشد؟!
ألا تنشد الراحة؟ الرضا؟ رضا الله.. رضا الوالدين.. رضا الذات..
ألم تتوقف يومًا عند هذا السؤال؟!
ما الحكمة.. من خلقي؟! مالحكمة من عذاباتي وإرهاقي ومعاناتي؟!
أو ليست حياتي بكل ما فيها.. اختبار.. من الله عزوجل؟! أو ليس أعظم جهاد عرفه تاريخ البشرية أجمع منذ آدم وحواء وحتى نهاية هذا العالم هو جهاد الذات..
فهل أنت.. مع ذاتك في جهاد؟! أم أنك تدور في الحياة دوران الآلة؟! أكل وشرب وعمل ويوم يجر الآخر متثاقلًا.. متكاسلً.. ملولًا..
في إحدى المرات.. جلست أشاهد برنامجًا تلفزيونيًا عن العلماء.. طرحت على ذاتي هذا السؤال والذي أطرحه عليك ياعزيزي..
اكتشافات علمية مهولة.. مرت في حياة البشرية منها النافع ومنها الضار.. كيف توصل إليها هؤلاء العلماء؟ بل كيف أصبحوا علماء؟ ألم تكن اكتشافاتهم عن طريق التجربة والخطأ؟ عن طريق البرهان والإثبات؟
أولم يمنحنا الله ذات العقل.. ذات التركيبة البشرية التي لدى العلماء.. لماذا إذًا لم نصبح علماء؟! مخترعين؟ مبدعين؟ مفكرين؟
نعم لدينا ذات العقل.. لكننا حتى اليوم لم نتوقف به قليلًا.. أمام أخطائنا التي سنتعلم منها الكثير إن لم نسمح لها بتحطيم أعصابنا ونفسياتنا ومشاعرنا إن لم نسمح لها بهدمنا ببطء..
هي.. ذاتها الأخطاء.. التي نستطيع تحويلها من طاقة هدامة.. إلى طاقة بناءة..
قف عزيزي..
أمام أخطائك وابتسم بمحبة.. واشكر الله أن منحك القدرة على أن تخطئ.. لتعود وتتساءل.. أين الصواب إذًا؟ لتتجه باتجاهه وتسير في حياتك.. وبدلًا من أن تحمل أخطاء كثيرة على ظهرك.. تحمل بدلًا منها.. طاقة تحثك على المسير أكثر .. أسرع.. أفضل.. في طريق الحياة الصعب الوعر.. الذي لايحتاج منك.. اليوم وكل يوم إلا أن تتوقف بعد كل موقف وتتساءل..
هل أخطأت؟ هل أصبت؟ وماذا تعلمت من الاثنين؟
وبدلًا من أن تصرخ وتستنجد في حياتك بحثًا عن شمعة تضيء لك طريق الحياة.. تكون أنت الشمعة التي تضيء دربك ودرب غيرك من البشر.
وبدلًا من أن تشعر بحاجتك لغيرك من حبيب أو صديق أو قريب.. جرب أن تلتفت لذاتك.. وأن تتساءل بماذا تستطيع أن تنفع ذاتك؟ وكيف تستطيع أن تقف بجانبها؟ ولن تجد أقرب من ذاتك.. لفهمك ولاستيعابك.. ولمحبتك أيضًا.. وستكتشف أن ذاتك.. وعقلك.. نعم الرفيق لك.. إن أنت أحسنت الظن به.. وستكتشف عزيزي القارئ أن كل الحب وكل الراحة وكل السعادة.. التي تنشدها في حياتك ومن حولك.. ستظل عمرًا طويلًا.. تبحث عنها.. إن لم تكتشف أنها بين خباياك.. مختبئة.. كالجنين في رحم أمه.. ينتظر اليد الحانية التي تخرجه من أعماق الظلمة.. إلى آفاق الضيائ و النور.
// من قراءاتي //
لروحكم الزهـــــر ...